الشيخ عبد الغني النابلسي

57

كتاب الوجود

وبين وجوده سبحانه القديم واسطة في وجود الحوادث . ثم إننا نبحث عن هذا الوجود الحادث الذي هو واسطة بين وجود اللّه تعالى القديم وبين الحوادث هل المراد القائل به أنه عين ذوات الحوادث أو غيرها ، فإن أريد به أنه عين ذوات الحوادث كما هو مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعري « 1 » - رحمه اللّه - ومن تابعه من المتكلمين لم يكن هناك وجود حادث أصلا ، وإنما هي ذوات حادثة مع صفاتها قائمة بالوجود القديم على معنى أن العقل نسب الوجود القديم إليها بطريق غلبة الوهم عليه ، وهو ما نقوله ونذهب إليه ، وإنما ذلك الوجود الحادث عند العقل بغلبة الوهم حيث قلنا بذلك هو تجلى الوجود القديم بالحوادث وانكشافه « 2 » وظهوره في شؤونه التي هي لعيان الحوادث وأحوالها كما قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال البيضاوي في تفسيره هذه الآية : كل وقت يحدث أشخاصا ويجدد أحوالا لا على ما سبق به قضاؤه .

--> ( 1 ) أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبى موسى الأشعري ، ولد بالبصرة سنة ( 260 ه ) ونقل السمعاني في كتابه " الأنساب " عن ابن الكلبي أن الأشعري لقب بهذا اللقب ؛ لأن أمه ولدته أشعر ، وكان مولده بالبصرة وإقامته في بغداد ، وظل بها إلى أن توفى سنة ( 324 ه ) على أصح الروايات . تاريخ بغداد ( 11 / 347 ) . ( 2 ) عبر ابن عربى عن نظريته في وحدة الوجود بهذه الأبيات : لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن ويقول كذلك : عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه وهذا في رأينا من الغلو الذي لا مبرر له ، فالعقائد والديانات متباينة ومنها الصحيح والفاسد ، فكيف يعلن جمع لهذه المتناقضات في عقيدة واحدة . ( التصوف الفلسفي ص 40 ) .